عفيف الدين التلمساني

64

شرح مواقف النفري

هناك شرحه . ومعنى قوله : وجعلت قيوميتي وراء ظهرك : أي تكون أقرب إلي من قيوميتي ، وتكون وراء هنا في قوله : « وأنا من وراء القيومية » بمعنى أمام كما قال تعالى : وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا [ الإنسان : الآية 27 ] ، أي أمامهم ، فكأنه قال : تقوم بيني وبين قيوميتي ، وإنما كان ذلك لأن القيومية هي مدد تقوم به الأشياء كلها ، فكأنه قال : إنما يجري مددي إلى خلقي على يديك فكأن مدد الحق تعالى يصل إلى عبده هذا ، ثم منه يتصل بخلقه ، وهو قيومية تقوم به الموجودات . وقد ورد أن « أويس القرني » رضي اللّه عنه كان يقول : اللهم من مات جوعا فلا تؤاخذ به أويسا . فزعم قوم أنه كان خليفة اللّه الباطن في ذلك الوقت وأنه على يده تصل أرزاق العباد . وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما : « إذا أنتما لقيتما أويسا فاسألاه أن يستغفر اللّه لكما » « 1 » ، فلما كان في خلافة عمر رضي اللّه عنه لقياه وسألاه أن يستغفر اللّه لهما فقال يغفر اللّه لكما . وهذا مقام لا ينبغي أن يكون إلا لمن هذه صفته حتى يستغفر لمثل عمر وعلي رضوان اللّه عليهما ، ولست أقول إنه أفضل منهما ، واللّه أعلم . فهذا معنى « وجعلت قيومتي وراء ظهرك وأنا من وراء القيومية » . ومعنى قوله : « وسلطاني عن يمينك وأنا من وراء السلطان » أنه يجعل العلم عن يمينه إذ هو سلطانه ؛ وذلك أنه لا يغرب عنه شيء وهذه علامة علمه تعالى . وإذا كان علمه عن يمينه فحياته فيه لتكون الحياة قطبا واليمين للعلم واليسار للاختيار وهو الإرادة ، يكون تعالى أمام كل صفة من هذه الصفات ، وعبده بينه وبينها لستر الاستخلاف .

--> ( 1 ) رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء ، أويس القرني [ 4 / 28 ] ونصّه : عن أبي هريرة : فقالوا : يا رسول اللّه وما أويس ؟ قال : أشهل ذو صهوبة بعيد ما بين المنكبين معتدل القامة آدم شديد الأدمة ضارب بذقنه على صدره رام ببصره إلى موضع سجوده واضع يمينه على شماله يتلو القرآن يبكي على نفسه ذو طمرين لا يؤبه له يتّزر بإزار صوف ورداء صوف مجهول في أهل الأرض معروف في السماء لو أقسم على اللّه لأبرّه ألا وإن تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء ألا وإنه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد : ادخلوا الجنة ، ويقال لأويس : قف فاشفع فيشفّعه اللّه في مثل عدد ربيعة ومضر يا عمرو ويا عليّ إذا رأيتماه فاطلبا إليه يستغفر لكما يغفر اللّه لكما ( فمكثا يطلبانه عشر سنين لا يقدران عليه فلما كان آخر السنة التي هلك فيها ( عمر ) قام على أبي قبيس فنادى بأعلى صوته يا أهل الحجيج من أهل اليمن أفيكم أويس من مراد فقام شيخ كبير فقال : إنّا لا ندري من أويس ولكن ابن أخ لي يقال له أويس وهو أخمل ذكرا وأقلّ مالا وأهون أمرا من أن نرفعه إليك وإنه ليرعى إبلنا بأراك عرفات فذكر اجتماع عمر به وهو يرعى فسأله الاستغفار وعرض عليه مالا فأبى » .